مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

أقول لكم 

«مَصَّرَصِمَامٌ أمَانِ الْأُمَّة الْعَرَبِيَّة»..«قِمَّةَ الْقَاهِرَة:الْمُسَّاسُ بِسِيَادَةٌ الْمُمْلِكَة خَطّ أَحُمِّر»



تُعد مصر«رمانة الميزان» في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا باعتبارها ركيزة الاستقرار السياسي والعسكري في الإقليم، وتظل القاهرة صمام الأمان لأمتها العربية مهما أثارالبعض غبارالمشكلات وافتعل الأزمات وبعثر الأوراق، أولجأ لإحياء خلافات قديمة وتضخيم مشكلات صغيرة لتبدو وكأنها كبيرة أواستدعاء مهاترات من دفترالعلاقات التاريخية، ولذا تأتي زيارة ولي العهد السعودي سموالأميرمحمد بن سلمان إلى القاهرة في الميعاد بعد اشتعال الأزمات والحرائق في المنطقة، وهي بمثابة زيارة عمل رسمية بحثت ملفات الأمن الإقليمي وفي مقدمتها الحرب الأمريكية على إيران، والشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين مصر والمملكة، فضلاً عن التنسيق الأمني وحماية الملاحة لمواجهة التحديات والتهديدات الإقليمية من خلال تنسيق مشترك إزاء هجمات تستهدفت مناطق في المملكة، مصروالسعودية صمام أمان للأمة العربية ومنطقة الشرق الأوسط هكذا يسجل التاريخ لمن لا يعلمون، ورسمت قمة القاهرة ــ الرياض خريطة حماية البحر الأحمر وحرية الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز، وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه بولي العهد السعودي سموالأمير محمد بن سلمان، دعم مصر الكامل للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة وهجمات الحوثيين، ودعم مصرللجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية، وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مجدداً أن أمن السعودية ودول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وشدد على رفض وإدانة مصرلأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها معتبراً أنها خط أحمرلا يُسمح بتجاوزه من أي دولة.
لا يختلف إثنان على أن مصر والأمن القومي العربي وأمن الخليج كل لا يتجزأ، ولذا يسعى الزعيمان لعقد شراكة اقتصادية عبرالتعاون الاقتصادي وإقامة مشاريع الطاقة، والربط الكهربائي بين البلدين والذي يستهدف تبادل قدرات كهربائية تصل إلى 3 آلاف ميغاواط، ويعد أحد أكبر مشروعات الربط في المنطقة، وتفعيل اتفاقيات تشجيع الاستثمارات المتبادلة بين القطاع الخاص التي تنتج عن الزيارات التجارية الموسعة لرجال الأعمال السعوديين للقاهرة والمصريين للرياض، وتتفق الرؤى بين الزعيمين  على رفض تهجيرالفلسطينيين من وطنهم ودعم الاستقرارالإنساني بغزة والضفة الغربية أمام هجمات الاحتلال من خلال خلق مسارقابل لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، إذ يُعد إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لإنهاء الصراعات والحروب التي لا تتوقف منذ عشرات السنين، وتؤكد مصر باستمرار في مختلف المحافل الإقليمية والدولية (مثل قمة بريكس واللقاءات الرئاسية) أن حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية هو الضمان الأساسي للسلام.
أثارالرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً إثر تصريحات علنية قبل أيام أيد فيها تفكيك المملكة المتحدة من خلال توحيد الجزيرة الإيرلندية واستقلال إيرلندا الشمالية عن المملكة، وجاءت هذه التصريحات المثيرة للجدل خلال زيارته لإيرلندا، إذ أعلن ترامب صراحة عن دعمه لخروج إيرلندا الشمالية من تحت التاج البريطاني وانضمامها إلى جمهورية إيرلندا، واصفاً هذا الاندماج بأنه «أمر طبيعي» كما عبر لاحقاً في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإيرلندي عن رغبته في رؤية إيرلندا موحدة، ويرى الخبراء والمحللون أن ترامب يسعى من وراء هذه التصريحات إلى كسب أصوات الكتلة الانتخابية الكبيرة من الأصول الإيرلندية في الولايات المتحدة لدعم الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، كما اعتُبرت الخطوة بمثابة رسالة سياسية «استفزازية» وضغط على حكومة حزب العمال البريطانية برئاسة كيرستارميرنتيجة تباين المواقف في بعض ملفات السياسة الخارجية والضرائب الرقمية، ويبدوأن تصريحات ترامب كانت أول ضربة على طريق تفكيك المملكة المتحدة بعد سنوات طويلة من الوحدة، إذ عقد قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية اجتماعاً لإصدارإعلان كارديف المشترك للمطالبة بحق تقرير المصير وإجراء استفتاءات للانفصال عن المملكة المتحدة،عقدت القمة التاريخية في العاصمة الويلزية كارديف بين رؤساء وزراء الأقاليم الثلاثة للمرة الأولى تحت قيادة أحزاب مؤيدة للاستقلال أوإعادة التوحيد، وشمل الاتفاق التعاون في مجالات الاقتصاد، والطاقة، والسياسة الأوروبية، والضغط من أجل الانضمام المستقبلي للاتحاد الأوروبي.
رجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تصل حرب إيران إلى نهايتها بعد إجراء انتخابات التجديد النصفي في أمريكا، مشيراً إلى إمكانية حسم هذا الملف فورانتهاء التصويت مباشرة أو ربما قبل حلول موعده، وأن إيران تسعى إلى إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة  «بأي ثمن»، لكنه لن يوقع اتفاقاً «غير مثالي»، ولذا يحاولون ⁠الصمود لأطول فترة ممكنة لتعقيد الانتخابات لكنني أعتقد أن الناس على دراية بذلك، وتابع أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، مشيراً إلى أن الحوثيين لا يريدون خوض قتال ضد الولايات المتحدة، وفي تعليقه على الهجوم الأخير الذي استهدف أنابيب النفط في السعودية، رجح ترامب وقوف إيران وراء الهجوم وأن إدارته قامت بعمل رائع فيما يتعلق بقطاع غزة، مشيراً إلى أنها أطلقت مبادرة لوقف إطلاق النار وسهلت إحلال السلام، وأضاف أن الولايات المتحدة ساهمت في عودة عدد كبير من الرهائن إلى إسرائيل، وأن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز حالياً، وجاءت تصريحات ترامب خلال محادثات مع رئيس الوزراء الأيرلندي، ميشال مارتن، ضمن زيارة استمرت يومين تناول خلالها أيضاً الحرب مع إيران وفي غزة والعلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأيرلندا، ورداً على سؤال بشأن توحيد أيرلندا، قال ترامب «لا أريد التسبب في أي مشاكل، أود أن أراها موحدة».
أعلن ترامب أن الحوثيين لا يريدون خوض قتال ضد الولايات المتحدة، وفي تعليقه على الهجوم الأخير الذي استهدف أنابيب النفط في السعودية، رجح ترامب وقوف إيران وراء الهجوم، فيما تجرى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 في يوم الثلاثاء الموافق 3 نوفمبرالمقبل، إذ سيتم التنافس على مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، والتنافس على 35 مقعداً من مجلس الشيوخ من أصل 100 مقعد في المجلس (حوالي ثلث الأعضاء)، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من مسؤولي إدارته وحلفائه بوعده بمنح جميع البالغين الأمريكيين مبلغ 5000 دولار في حال احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونجرس ما أدى إلى حالة من الاستنفار الداخلي، لمحاولة بلورة تفاصيل هذا الوعد، وأطلق ترامب هذا الوعد خلال كلمته في مؤتمر الحزب الجمهوري المخصص لانتخابات التجديد النصفي، وذلك بعد مناقشة الفكرة مع دائرة ضيقة فقط من المستشارين السياسيين المقربين بمن فيهم جيسون ميلر وجيمس بلير - وفقاً لما ذكره مستشار سياسي لترامب، لكن معظم المسؤولين في الإدارة غير مستعدين للتعامل مع تداعيات مقترح تبلغ تكلفته تريليون دولار، وهو مقترح واجه بالفعل انتقادات واسعة النطاق بسبب تكلفته الباهظة ومدى قابليته للتنفيذ. 
سارع العديد من المشرعين الجمهوريين إلى انتقاد الفكرة، واصفين إياها بأنها حيلة غير مدروسة تسبق انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، ومن شبه المستحيل تمريرها عبر الكونجرس، فضلاً عن كونها تنتهك العديد من المبادئ الاقتصادية الجوهرية للحزب، وحتى بين الحضور في قاعة المؤتمر، سادت حالة من التشكيك، وقال ستيفن مور، وهو مستشار اقتصادي لترامب يعارض الفكرة:إنه لغز يحاول الجميع كشف حقيقته..من صاحب هذه الفكرة؟ فالمشكلة في إرسال شيكات للناس تكمن في أن ذلك يؤدي في الواقع إلى عواقب اقتصادية سلبية، ولم يقدم ترامب سوى القليل من التفاصيل حول المقترح خلال خطابه، مكتفياً بالإشارة إلى أنه قد يتم تمويله من الإيرادات المحصلة نتيجة للرسوم الجمركية المفروضة على السلع الأجنبية، وكان ترامب طرح سابقاً أفكاراً حول سلسلة من التوزيعات المالية الأخرى لجميع الأمريكيين بتمويل من إيرادات الرسوم الجمركية أو ومصادر أخرى، لكنه لم يفِ بأي منها حتى الآن، وقضى مسؤولو البيت الأبيض في سباق مع الزمن لتحديد الترتيبات اللوجستية اللازمة للوفاء بهذا الوعد الأخير غير المسبوق، وذلك حسبما أفاد أحد المسؤولين، غيرأن ورقة حقائق لاحقة أصدرها البيت الأبيض أشارت إلى أن تلك الجهود لا تزال قيد الإعداد، إذ لم تقدم الورقة أي تفاصيل حول كيفية تخطيط الحكومة لتمويل هذه المدفوعات أو مصدر تلك الأموال.
في المقابل، نفى مسؤول في البيت الأبيض فكرة أن يكون ترامب فاجأ مساعديه، ويأتي وعد ترامب المفاجئ في وقت يواجه فيه صعوبة في احتواء حالة الإحباط المتزايدة لدى الناخبين بشأن تكاليف المعيشة وسياساته الاقتصادية، إذ أظهرت استطلاعات الرأي على مدى أشهراستياءً عميقاً لدى الأمريكيين من طريقة تعامل الرئيس مع ملف التضخم، كما أدت الحرب المستمرة على إيران إلى تفاقم الوضع الاقتصادي العام الذي يواجهه الجمهوريون، حيث ارتفعت أسعار البنزين والديزل مجدداً وبشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، دون وجود نهاية واضحة للأزمة في الأفق، فيما سعت إدارة البيت الأبيض في الأسابيع الأخيرة بشكل متزايد إلى تسليط الضوء على خطوات تهدف إلى خفض بعض التكاليف اليومية، مثل أسعار اللحم وبعض الأدوية، يُذكر أن ترامب -الذي أقر إرسال دفعتين من شيكات التحفيز المالي بقيمة 1200 دولار للأمريكيين خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020 عاد مراراً لطرح فكرة إرسال مبالغ نقدية مباشرة للناخبين كوسيلة لكسب الدعم السياسي، وفي العام الماضي، طرح فكرة توزيع أرباح وزارة الكفاءة الحكومية بقيمة 5000 دولار، مرتبطة بالتوفير المزعوم الناتج عن تقليصه لأعداد الموظفين الفيدراليين،  ومؤخراً، وعد ترامب بإصدار شيكات بقيمة 2000 دولار تُموَّل من إيرادات الرسوم الجمركية، غير أن أياً من الأمرين لم يتحقق، وتواجه أحدث مقترحات ترامب فرصاً أضعف للتحقق وهو واقع دفع الكثير من المشككين بمن فيهم بعض حلفاء ترامب - إلى استبعاد الفكرة واعتبارها مناورة سياسية بحتة، وسيتعين على الجمهوريين في الكونجرس صياغة وإقرار تشريع يُجيز دفع مبالغ تتجاوز تريليون دولار وهو مبلغ يعادل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي التقديري (غير الإلزامي) للسنة المالية 2025، وفقاً لمكتب الميزانية في الكونجرس.
على وقع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، أغلق باب الترشيح لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، واتضح أن 38 لائحة انتخابية ستتنافس على 120 مقعداً، كما أظهرأول استطلاع للرأي أُجري بعد تقديم القوائم، وأن 12 قائمة منها ستنجح، لكن 26 قائمة ستسقط وبموجب نتائج الاستطلاع، الذي نشره موقع «واللا» الإخباري، فإن كتل المعارضة بقيادة غادي إيزنكوت ستحصل على 57 مقعداً، بينما ستحصل كتلة الائتلاف الحالي برئاسة بنيامين نتنياهو، على 51 مقعداً، وبذلك لن تمتلك أي من الكتلتين أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة بمفردها، وإذا تمسَّك كل معسكر بحلفائه، فإن الأحزاب العربية ستتحول إلى عامل حاسم في معركة تشكيل الحكومة المقبلة، وبحسب نتائج الاستطلاع، فستحصل الأحزاب العربية مجتمعة على 12 مقعداً، 7 للقائمة المشتركة الثلاثية (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي)، و5 للقائمة العربية الموحَّدة، وكشف استطلاع اَخر للرأي عن استمرار تقدم المعارضة الإسرائيلية بحصولها على 57 مقعداً مقابل 52 مقعدا لتكتل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، دون امتلاك أي من التكتلين أغلبية 61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة، فيما نالت الأحزاب العربية 11 مقعداً، وجاء ذلك، حسب نتائج أول استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية منذ إغلاق القوائم الانتخابية للكنيست استعدادا للانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، وأظهرت النتائج المنشورة، حصول حزب "يشار" بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت على 25 مقعداً ليحافظ على موقعه بالاستطلاعات الأخيرة كأكبر حزب في إسرائيل، يليه حزب الليكود بزعامة نتنياهو بـ21 مقعداً.

حصل حزب «معاً» برئاسة نفتالي بينت على 13 مقعداً، والديمقراطيون بزعامة يائير غولان على 10 مقاعد، و«إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان على 9 مقاعد، كما حصل الحزبان الحريديان «يهدوت هتوراه وشاس» على 8 و7 مقاعد على التوالي، وحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش على 5 مقاعد، و«شعبك إسرائيل» بزعامة عوفر فينتر على 5 مقاعد، و«قوة يهودية» بزعامة إيتمار بن غفير على 6 مقاعد، وحصل تحالف الأحزاب العربية على 11 مقعداً، بواقع 7 مقاعد للقائمة المشتركة بقيادة يوسف جبارين، و4 مقاعد للقائمة العربية الموحدة بزعامة منصورعباس، وفيما يتعلق بخريطة الكتل، تحصل المعارضة على 68 مقعداً (57 مقعدا للأحزاب الصهيونية و11 مقعدا للأحزاب العربية) في حال تحالفهما ما يسمح لهما بتشكيل الحكومة بينما يحصل ائتلاف نتنياهوعلى 52 مقعداً فقط.
يبدوأن الولايات المتحدة الأمريكية تسيرعلى خطى الكاتب والروائي الروسي مكسيم غوركي، صاحب العبارة الشهيرة «خلقنا لنعترض» التي قالها تعبيراً عن الروح النقدية والرفض للواقع ومحاولة السيطرة على العالم، إذ أعلنت رفضها منفردة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعتمد قراراً بتغييرخريطة العالم الجديدة في سبتمبر الجاري بأغلبية 164 دولة، لتصحيح الأحجام النسبية للقارات والدول عبر التخلي تدريجياً عن خريطة «ميركاتور» القديمة واعتماد إسقاط "الأرض المتساوية"، إذ أظهرت الخريطة الجديدة القارة الإفريقية بمساحة أكبر بكثيرتناسب حجمها الواقعي، فيما تبدو في الخرائط القديمة مساوية لجزيرة جرينلاند تقريباً، بينما هي في الحقيقة أكبر منها بـ 14 مرة، وجاء تصحيح تضخم دول الشمال عبر تقليل الخريطة التضخم الوهمي لأحجام أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا، والتي كانت تبدو أكبرعمداً بسبب العيوب المنهجية التي صُممت أساساً للملاحة البحرية في القرن السادس عشر، كما انهت التحيز التاريخي والعبث المعرفي، هدفت الخطوة التي قادتها دولة توجو بمساعدة مجموعة الدول الإفريقية تهدف إلى رفع التشوهات الجغرافية التي أعطت انطباعاً بصرياً بهيمنة أو تفوق دول الشمال على الجنوب لقرون طويلة، وشهد القراراعتراض الولايات المتحدة وحدها، وأخيراً اعترضت اليابان لاحقاً بسبب تفاصيل تتعلق بتمثيل جزر كوريل المتنازع عليها، ما أعطى الخريطة الجديدة أبعاداً سياسية وجيوسياسية واسعة.
سارت اليابان على نهج أمريكا ولجأت إلى مبدأ «خلقنا لنعترض» إذ أعلنت أنها طلبت من «الأمم المتحدة» مراجعة خريطة العالم الجديدة التي اعتمدتها لأن جزر كوريل المتنازع عليها مع روسيا تبدو في الخريطة جزءاً من موسكو، وفق اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، نسخة جديدة من خريطة العالم تمتدّ فيها أفريقيا على مساحة أوسع، وتظهرفيها أميركا الشمالية وأوروبا بحجم أصغر، الأمر الذي أثار انتقادات الولايات المتحدة، وكانت اليابان من الدول الـ164 المؤيّدة للقرار، لكنها احتجّت على النسخة الجديدة من الخريطة بعدما ظهرت فيها جزر كوريل المتنازع عليها بين موسكو وطوكيو باللون نفسه مثل روسيا، وتطلق اليابان على المنطقة اسم الأقاليم الشمالية، وقال الناطق باسم الحكومة اليابانية مينورو كيهارا إن الخريطة الجديدة «تُمثّل هذه الأراضي بشكل يتعارض مع موقف الحكومة اليابانية، قدّمنا احتجاجاً عبر القنوات الدبلوماسية للمطالبة بتصحيح، لمنع انتشار المفاهيم الخاطئة لأقاليمنا وتسمياتنا الجغرافية»، وسيطر السوفيت على هذه الجزر في سنة 1945 وطردوا اليابانيين منها، وفي الأشهر الأخيرة، تدهورت العلاقات بين روسيا واليابان، خصوصاً على أثر زيارة لم يُعلَن عنها قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للجُزر المتنازع عليها، للمرّة الأولى في ولايته الرئاسية، فيما وعدَّت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أن زيارة بوتين «أهانت مشاعر الشعب الياباني»، واصفة إياها بـ«غير المقبولة بتاتاً.
يحثُّ قرار الأمم المتحدة الجديد حول خريطة العالم الدول والمنظمات الدولية على استخدام رسوم للخرائط من نوع «إسقاط المساواة في الأرض الخرائطي لتوفير تمثيل أدقّ لأحجام الكُتل البرية القارية، والتخلّي عمّا يُعرف بـ«إسقاط مركاتوري» نسبة إلى العالِم ورسّام الخرائط جيراردوس مركاتوري، الذي ابتكر هذه المنهجية سنة 1569 لحلّ مشكلة عملية في الملاحة البحرية، وبما أن الخطوط المستقيمة على خريطته تُطابق اتجاهات البوصلة الثابتة، فقد تمكّن البحّارة من استخدامها لرسم مساراتهم، لكن الحفاظ على الاتجاه جاء على حساب المساحة، وتبدو الكتل الأرضية أكبر حجماً كلما ابتعدت عن خط الاستواء، وأشار قرار الجمعية العامة إلى أن هذه التشوّهات أسهمت في «التصغير الرمزي» لأفريقيا خصوصاً، وأدامت نظرة غير متوازنة للعالم، إن الولايات المتحدة التي تسعى للسيطرة على العالم ومقدراته من خلال استخدام مبدأ«خلقنا لنعترض» لا تريد أن تصلح علاقتها مع دول العالم عقب هجمات 11 سبتمبر والتي تمر عليها هذه الأيام الذكرى الخامسة والعشرون، إذ لا تزال أمريكا تحمل ذكريات الوحدة التي أعقبت المأساة، إلى جانب العواقب المستمرة للحرب وانعدام الأمن والانقسام الاجتماعي ومحاولة السيطرة على مقدرات العالم بالقوة من خلال الاستيلاء على نفط فنزويلا، وجزيرة جرينلاند الدانمركية، والحرب على إيران وتهديدها بالانسحاب من حلف الناتو وإثارة المشاكل التجارية مع جميع دول العالم من خلال فرض رسوم جمركية كبيرة عليها.
وأقول لكم إن واشنطن شنت حروباً متعددة بعد هذه الهجمات ومع ذلك لاتزال الجراح مستمرة دون أن تندمل، وأرى أن على الولايات المتحدة إعادة تقييم سياستها الخارجية وبناء علاقات أكثر توازناً مع العالم، بعد صعود قوى كبرى وجديدة مثل الصين وروسيا ومجموعة "بريكس" ما يفرض واقعاً متعدد الأقطاب يتطلب تعاوناً بدلاً من فرض الإرادة الشاملة، فضلاً عن الانتقادات المستمرة للدور الأمريكي في أزمات الشرق الأوسط، وحروب العقود الماضية (مثل العراق وأفغانستان)، التي تزيد من المطالب الشعبية والدولية بضرورة تبني واشنطن لسياسات قائمة على الدبلوماسية واحترام سيادة الدول، فيما تتزايد الأصوات داخل المجتمع الأمريكي نفسه من تيارات اليمين واليسار على السواء التي تطالب بالالتفات إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وتقليل الإنفاق العسكري الخارجي، فهل حان الوقت لتتصالح أمريكا مع العالم، و ترى هذه الرؤية أن غياب القيادة الأمريكية أو تراجعها قد يؤدي إلى فراغ في القوة تستغله قوى سلطوية، ما قد يزيد من الاضطرابات الدولية، لابد من إظهار مدى قدرة أمريكا على التكيف مع عالم متعدد الأقطاب، والموازنة بين مصالحها القومية واحترام تطلعات الشعوب والدول الأخرى.
أحمد الشامي
[email protected]